محمد أبو زهرة
3522
زهرة التفاسير
مَأْواهُمُ النَّارُ معناه المكان الذي يأوون وينتهون للإقامة فيه وكان القصد من المآوى الاستراحة لا العذاب . وقد علل اللّه العقاب بقوله : بِما كانُوا يَكْسِبُونَ والباء للجزاء والمقابلة بين ما فعلوا وما انتهوا إليه ، والجمع بين الماضي في كانُوا والمستقبل في يَكْسِبُونَ دليل على الدوام والاستمرار فكانوا في غىّ مستمر ، وبعد أن بين سبحانه حال وجزاء الذين لا يرجون لقاءه ذكر في مقابله الذين آمنوا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 9 ) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 10 ) [ يونس ] . هذا جزاء الذين يرجون لقاء اللّه ويتوقعونه مستيقنين به ؛ لأنهم آمنوا فيخافون العذاب ويرجون الثواب يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ذكر اللّه لهم جزاءين أولهما - أنهم بسبب الإيمان والعمل الصالح يهديهم ربهم إلى الحق دائما فلا تغمرهم الشهوات ولا يرتعون في المفاسد ؛ لأن الإيمان نور في قلب المؤمن ، به لا يفكر إلا في الحق ، ولا يقول إلا الحق ، ولا يعمل إلا الحق وسيره بين الناس لا يكون إلا بالحق ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم » « 1 » ذلك أن النور يهدى فيزداد المؤمن بإيمانه إيمانا . والعمل السيئ تظلم به النفس فتضل ، تبدأ في طريق الضلالة وتنته إلى الضلال البعيد ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ، ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله » « 2 » ، وفي قوله تعالى : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ إشارتان : أولاهما - أن ذلك من الربوبية فهو يربى نفوس المؤمنين بما يهيئها للخير
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 8 / 312 بنحوه .